مقالة للكاتب موسى برهومة ” - انتهت الحرب
وسيكون علينا أن ننسى، وأن نعد الملابس النظيفة للعمل، وأن نحدق بلا تردد في خزانة الثياب، فنختار أكثر ربطات العنق أناقة وأشدها إبهارا، فالحرب قد انتهت، والشهداء يستعدون للنوم الطويل بعد أن أزعجت رقدتهم الطائرات، وعضت هناءاتهم الصواريخ، ولوثت أنفاسهم القنابل الفسفورية.
عمال الطوارئ منهمكون، بلا شك، في إحصاء الجثث وإزالة الموتى من تحت الأنقاض. لقد كان عملهم قبل وقف إطلاق النار متعبا ومشوبا بالحذر. الآن بمقدورهم أن يسحبوا نفس سيجارة بين كل عمارة وأخرى، ولربما يعنّ على بال أحدهم أن يحتسي الشاي بالنعناع ويستثمر بعضا من دفء ظهيرة في نهارات غزة الموحشة.
ولا على هؤلاء لو أخذوا قيلولة، فالمشوار طويل، والجثث التي لا يتم العثور عليها اليوم سيعثر عليها غدا أو بعد غد، أو يمكن أن تدل عليها الرائحة، الرائحة التي تذكّر العابرين بأن ثمة أنفسا قد أزهقت في هذا المكان أو ذاك، أنفسا كانت قبل أن تلفظ أنفاسها تلهو بقطعة خشبية تهيأ لها أنها لعبة، أو تستعد للتسوق بعد أن تصمت المدافع، أو كانت تعد الحساء على عجل قبل أن تنهار البناية المجاورة.
الحرب انتهت. زال عبء كبير عن أكتافنا، فلقد بقينا محشورين أمام التلفاز أكثر من عشرين يوما، امتنعنا فيها عن الفرح العلني وعن ارتياد المقاهي أو إقامة الأعراس أو المشاركة في كرنفالات التسوق التي هذا وقتها المناسب الآن، بعد التنزيلات الكبيرة والمغرية.
الحرب انتهت. ياه كم أتعبتنا الحروب. نزفنا خلالها دمعا مدرارا، وبحت منّا الحناجر، وتشققت القلوب. أدمتنا غزة، وأتعبت أقدامنا من كثرة المسير في المظاهرات المؤيدة لها.
وادعين سنعود للعمل، وسعداء، وثمة بعض من بشاشة لا بد أن يلمحها كل من يتفرّس في ملامحنا. لقد أفرغنا حمولة الغضب التي كانت تضج في صدورنا. لم يبق في أعماقنا أي صراخ
























